Slaati
د. عدنان بن زايد الفهمي

بين البَاقلاني وامرئ القَيس.. النَّقد الشِّعري بعينٍ أصوليَّة

منذ 1 يوم01600

مشاركة

لا تخطئ عينُ الحَسير أو البَصير بالشِّعر، ذلك العَرش الذي قعد منه أخو كِندة مقعدَ الملوك، واستوى فيه على جُوديِّ الفصاحة والبيان؛ فامْرُؤُ القَيْسِ بْنُ حُجْر بْنِ الحارث قامة شعريَّة عربيَّة، جاوزت قنطرة النَّقد؛ حتى صارت رُمانة ميزانه، وأعذوبة عنوانه؛ فقد حُكي عن الأصمعي، أنَّه سُئِل عن أشعر النَّاس، قال: ‌الذي ‌يأتي ‌إلى ‌المعنى ‌الخسيس، فيجعله بلفظه كبيرًا، أو ينقضي كلامه قبل القافية، فإن احتاج إليها أفاد معنى زائدًا، فقيل له: نحو من؟ قال: نحو الفاتح لأبواب المعاني، امرؤ القيس؛ وذلك حيث قال:

كأنَّ عيونَ الوحش حول خبائنا * وأرحلنا الجَزْع الذي لم يُثْقب

ثم إنَّ لاميَّة الأطلال؛ والتي انتخبها حمادُ بن أبي ليلى الرَّاوية، وعدَّها في السُّباعيات؛ التي تشقُّ فلقَ الصُّبح الشِّعري، وتنزل منه منزل الفَرقد في صفحة السَّماء، هي أنجب ما جادت به قريحةُ الملِك الظِّليل، وأطرب ما تهادى على مَسمع ديوان الشِّعر وصُحُف رُواته؛ يقول أبو هلال العسكري: ومن أجود ما قيل في الوقوف على الدِّيار قول امرئ القيس: قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ؛ وقف واستوقف، ‌وبكى ‌واستبكى، وذَكَرَ الحبيب والمنزل في مصراع؛ فليس له شبيهٌ في جميع أشعارهم، وزاد على نحو هذا اللحنِ الأستاذ مصطفى صادق الرافعي؛ فقال: ثم استشعر العزاء وتجلد، ثم التاع وتنهد، ثم كأنه عفا وتجدَّد... .

إلا أنَّ ذلك كلَّه لم يُغن مَقنعًا عند القَاضي أَبي بَكر البَاقلاني، الأصوليِّ والمتكلِّم النظَّار في القرن الرَّابع الهجري، فلم يلق شفيعًا مجابًا، ولا جنابًا مُهابًا؛ بل تصدَّى لمعلَّقة امرئ القَيس، وأغمدَ ذُبابة نقده بين نَحرها وسَحرها، لا يُرضيه منها معنًى رشيق، ولا تركيبٌ تليد، ولا مفردةٌ بزَّت أترابها؛ حتَّى إنَّه في رائعته (إعجاز القُرآن)، طوَّح من هذه المعلَّقة بستَّة وثلاثين بيتًا، يُجهز عليها واحدًا إِثر واحدٍ، ثم مَهَرَ هذه الرِّسالة النقديَّة بخاتمٍ، نَقَشَ فيه: إنَّ هذه القصيدة قد تردَّدت بين أبيات سوقيَّة مبتذلة، وأبيات متوسِّطة، وأبيات ضعيفة مرذُولة، وأبيات وحشيَّة غامضة مُستكرهة، وأبيات معدُودة بديعة، وإنَّ وحشيَّها مستنكر يروع السَّمع، ويهُول القلب، ويكدُّ اللسان، ويعبُس معناه في وجه كلِّ خاطرٍ، ويكفهرُّ مطلعه على كل متأمِّل أو ناظر، ولا يقع بمثله التَّمدح والتَّفاصح.

وإذا ما فُتِشَ في هذه النَّقدات، وبُعث الدفينُ بين طيَّاتها، وأُنصِت إلى الخَافت من نَبراتها؛ فإنَّه يوقفُ مِن ذلك عَلَى نَفَسٍ بُثَّتْ فيه رُقَى الأصول وتمائمُها، وعلى طَلَل نُشرت فيه راياتُ الدَّلالة وأعلامُها؛ فأبو بكرٍ -رحمه الله- نَزَعَه عرقٌ إلى أصوليَّة التَّقريب والإرشاد، ومال عن سَعة الأدب ورَحابة ميدانه إلى دقَّة الأُصُول وانتظام أفنانه؛ وهذه بعضُ الأنماط المنبئَة عن ذلك، والتي حَشَدَهَا أبُو بكر في مطلع لاميَّة امرئ القَيس:

قفا نَبكِ من ذِكرى حبيبٍ ومنزلِ * بسقطِ اللِّوى بين الدَّخول فحومَلِ
فَتُوضِحَ فالمِقْراة لم يعفُ رسمُها * لما نسجتهَا مِن جَنوب وشَمأل

فأوَّل هذه النَّقدات المتدثِّرة بشعَار الأُصُول: أنه استوقف مَن يبكي لذكرى الحبيب، وذكراه لا تقتضي بكاءَ الخلي، ولو أنَّه حَمَلَه على أن يبكيَ لبكائه، ويرقَّ لصديقه في شدَّة برحائه لجاز، فأمَّا أن يبكي على حبيب صديقه، وعشيق رفيقه، فأمرٌ محال، فإن كان المطلوبُ وقوفَه وبكاءَه -أيضًا- عاشقًا؛ صح الكلام من وجهٍ، وفسد المعنى من وجهٍ آخر؛ لأنَّه من السُّخف ألَّا يغارَ على حبيبه، وأن يدعو غيرَه إلى التَّغازل عليه، والتَّواجد معه فيه!

فيُرى في هذه النَّقدة الباقلانيَّة؛ حضورُ القراءة اللزوميَّة، وأن يؤوبَ فاسدُ هذا المستمسَك اللزُومي على النَّص الشِّعري بفساد بِنيته المعنويَّة؛ فاستيقاف الرَّفيق باكيًا على ذِكرى الصفيِّ والخليلِ، يلزم عنه أن يُستبكى من هو خليُّ القلب عن طوارق الحبِّ، ولو سُلِّم جدلًا بأنه استبكاهُ مُشركًا له في قَسْم العِشق ولاعِجِه، للزم عن ذلك الدُّعاء إلى التَّغازل والتشبُّب بالمحبوب؛ وهو الأمرُ الذي يأنفُه العربيُّ، ويلوذُ عنهُ بالأَحمرين.

وثاني هذه النَّقدات: أنَّ في البيتين ما لا يُفيد، من ذكر هذه المواضع، وتسمية هذه الأماكن؛ من "الدَّخول"، و"حَومل"، و"تُوضح"، و"المِقراة"، و"سقط اللِّوى"؛ وقد كان يكفيه أن يذكر في التَّعريف بعضَ هذا، وهذا التَّطويل إذا لم يُفد كان ضربًا من العِيِّ.

حتى إنَّ هذه النقدةَ الباقلانيَّةَ، سَرَت في المدوَّنة الأدبيَّة المعاصرةِ مسرى التندُّر والتفكُّه؛ فهذا البَاشَا أحمد الزيَّات يتساءل في عَجَبٍ، وهل من الأدب في شيء قولي: إنَّ شارع أبي نواس يقع في نهاية الباب الشَّرقي، ويمتدُّ على ضفة دجلة اليُمنى، تكتنفه المقاهي والمتنزَّهات؟ وهذا الأُستاذ إبراهيم شوكت يُلمع إلى أنَّ امرأ ‌القيس قد وَضَعَ أساس علم الجغرافيَّة عند العرب، فهو يَعرف الشَّمال والجنوب ويُحسن التَّحديد، ولم يتخلَّف الدَّكاترة زكي مُبارك مِن أن يحجز له مقعدًا في هذه الحافلة النقديَّة؛ فاستهجنَ هذا النَّوع من القريظِ، وأَبى أن يحشرَه مع أُبَّهة الأَدَب.

وهذه النَّقدة من القاضي أَبي بَكر رحمه الله؛ تَستدعي من الأطروحة الأصوليَّة، وجوبَ تنزيه الكلام عن الحَشْو، وأنَّ التَّأسيس أمضى من التَّأكيد، وأنَّ أحدَ أفراد العام يسدُّ المسدَّ، إذا جرى حكمُه على وَفق حُكم العَام، وأنَّ العطفَ إذا لم يكن من بابةِ التَّقسيم سقط مفهومُه.

وثالث هذه النَّقدات: أن رصدت عينُ أبي بكر الأصوليَّة أنَّ الطليعةَ مِن معلَّقة ذِي القُرُوح: "لم يعفُ رسمُها"، أعقبهُ بيتٌ آخرُ أنشدَ فيه: "فهل عندَ رَسْم دَارسٍ مِن مُعوَّل"؛ ومعنى "عَفَا" و"دَرَسَ" واحد، فهو تناقضٌ لا محالة! حتَّى إنَّ أَبَا عُبَيدة مَعْمَر بن المثنَّى استلحظَ ذلك، فقال: رجع فأكذبَ نفسَه، ثمَّ عارضَ ذلك بميميَّة زُهير بن أبي سلمَى: 
قِف بالدِّيار التي لم يعفُها القَدَمُ * بَلَى وغيَّرها الأَرواحُ والدِّيمُ

وهذا الرَّصد النَّقدي من القَاضي أَبي بَكرٍ؛ قد ألقى عليه خِلعةً أصوليَّة، وُشِّيت بمقرَّرات باب التَّعادل والتَّراجيح؛ وأنَّ الأقاويلَ إذا تقابلت على وجه الممانعةِ، وكانت جهةُ التَّنافي بينها واحدةً؛ فهو التَّعارض الذي لا مندوحةَ عن تعيُّن التَّخلص منه بضربٍ من التَّوجيه أو التَّأويل؛ هذا في النُّصوص المقدَّس حِماها، فضلًا عن مقولِ ذي غفلةٍ، ومَن غُرِزَ على السَّهو الفَوَات؛ فلا يحفل التَّعارض من مقالتِهِ إلا بسقوطٍ بيِّن البُرهان.  

هكذا نَفَثَ أبُو بكر سَخيمةَ صدره، وحَسَر عن هذه المعلَّقة عصابةَ فَخرها، وأقعدهَا مِن الشِّعر طارفَ مجلسِه، وأَرخص مَهرها بَين بَنات عمِّها؛ فلا يراها أبو بكرٍ إلا أسيرةً ترسفُ في قيادٍ من الحَشو والتَّكرار والتَّضاد، ولا يلمحُ منها إلَّا جِيدا مُعطَّلا عن حِلية البَديع والمعَاني والبَيان.      

وفي نَصَفَةٍ من المحاكمةِ بين هَذين الهَرمين شِعرًا وأُصولًا، وإن كنتُ إلى مَرَابع الأُصُول لأحنُّ؛ إلا أنَّ صاحبَنا البَاقلاني قد رَكِبَ مَذْهَبَ التعسُّف واسعًا، وتمحَّل الأُغلوطة ولو من شقِّ إبرةٍ؛ ولم يُرْضِه مِن قصيدِ امرئِ القيسِ، إلَّا أن يَتَعَالى عَنْوَةً إلى سُدَّة منطُوق ذِي العِصْمة؛ يقولُ شيخُ النُّقاد العَرب إحسَان عبَّاس، وهو يلحظُ عصبيَّة أبي بكر: وهناك أمرٌ لم يتنبه له الباقلاني، حين عاب جميع أنواع التَّفاوت؛ وذلك أنَّ بعض التَّفاوت في طبيعة النَّظم نفسه، مما يقتضيه اختلاف الأحوال النفسيَّة، بين موقفٍ وموقفٍ.

إلَّا أنَّ الذِي أثار هذه الحفيظةَ من أبي بكرٍ البَاقلاني، وأَغذَاهَا ملامةً ونقمةً على معلَّقة العَرَب قديمًا وحديثًا؛ أنَّه أرادَ أن ينصُر فِكرة إِعجاز القُرآن، وتقدُّمه على فَصاحة العَرب نظمًا ونثرًا، ولم يجد من ذلك إلَّا إن يتعقَّب دُرَّة تَاجهم، ويُنزلها عن عَرش البَيان؛ ليقولَ إثرَ ذلكَ مؤازرًا: فأمَّا نهج القرآن ونظمُه، وتأليفه ورصفُه؛ فإنَّ العقول تتيه في جهتِه، وتحار في بحرِه، وتضلُّ دون وصفِه، ونحن نذكر لك في تفصيل هذا ما تستدلُّ به على الغَرَض، وتستولي به على الأَمَد، وتَصِلُ به إلى المقصد، وتتصوَّر إعجازَه كما تتصوَّر الشَّمس، وتتيقَّن تناهي بلاغته كما تتيقَّن الفجر.

التعليقات ()

مشاركة

أخر الأخبار

البكيري : مركز التحكيم الرياضي ينهي الجدل المخجل
البكيري : مركز التحكيم الرياضي ينهي الجدل المخجل
الرياض
منذ 1 دقيقة
0
1336
3ee0e03a-2681-4ec1-b975-65fb70f49fb6.jpg
لاعبو المنتخب النيجيري يمتنعون عن خوض  مباراة الجزائر
الرياض
منذ 2 دقيقة
0
1339
5ce69e25-e98f-4514-910e-cb3ff4961052.jpg
مدرب الخلود :لن أذكر الأسماء التي نريد جلبها للفريق ..فيديو
الرياض
منذ 11 دقيقة
0
1379
0ef07102-6395-461a-8089-2560f0d3bde8.jpg
صافرة رومانية تقود مواجهة النصر والقادسية
الرياض
منذ 29 دقيقة
0
1444
57bab7ce-8358-4966-86a8-a9351b2cf00d.jpg
فيفا يستخدم الذكاء الاصطناعي لرصد التسلل في مونديال 2026
الرياض
منذ 29 دقيقة
0
1438
إعلان
مساحة إعلانية