في لحظات العزاء لا يقف الإنسان أمام الموت فحسب، ولكن يقف أمام حقيقة الحياة كلّها. يقف متأمّلًا فيما يبقى من المرء بعد رحيله، أهو المال؟ أم المناصب؟ أم تلك الأيام العابرة التي تمضي سريعًا دون أثر؟ في مجلس عزاء شقيقتي الراحلة، دخلتُ والقلبُ يترجّح بين لوعة الفقد ومرارة الفراق، لِأجدَ أن المكان الذي فارقته مازال ممتلئ بأصداء حضورها رغم غيابها الجسدي.

لاحظت أن مجلس العزاء عامرًا بالوجوه، مزدحمًا بالدعوات، مكللًا بالمحبة التي اجتمعت لها من كل صوب، حتى بدا وكأن القلوب قد حضرت قبل الأجساد وفاءً لها واعترافًا بجميل أثرها.وطيب معشرها أدركت حينها وانا اشاهد كل ذلك معنى آخر للبقاء، معنى لا يُشترى ولا يُصنع تصنّعًا، لكن يُزرع في القلوب بالمحبة والصدق وحسن الخلق.

كان مشهد العزاء مهيبًا ومؤثرًا، ذلك العدد الكبير من النساء اللواتي حضرن، وتلك العبارات التي تكررت على ألسنتهن بكل صدق وعفوية: ذلك أدهشني، وأثلجَ صدري المكلوم في آنٍ واحد، سيلُ جارف من الثناء العاطر، والدعاء الصادق الذي كان يخرجُ من القلوبِ قبل الحناجر. التفتُّ يمنةً ويسرة، فما وقع سمعي إلا على كلماتٍ تقطرُ وفاءً وحزناً على فراقها. كنَّ يصفنها بـ “الحبيبة” “والطيبة” و”الغالية” و”الأخت” التي لم تلدها الأمهات. “كانت محبوبة بين الناس”. وكلما دخلت امرأة إلى مجلس العزاء، سمعت دعاءً جديدًا وثناءً آخر، وهنا توقفت طويلًا أمام هذا المشهد، أتساءل: ما الذي يجعل إنسانًا يُذكر بكل هذا الحب بعد رحيله؟ وكيف يستطيع البعض أن يترك أثرًا جميلًا لا يمحوه الزمن؟ أدركت حينها أن أعظم ما يملكه الإنسان في دنياه هوما يغرسه في القلوب من مودة ورحمة وإحسان. فكم من أناس رحلوا ولم يبقَ لهم إلا الدعاء والثناء الحسن، وكم من آخرين عاشوا طويلًا لكنهم لم يتركوا خلفهم سوى الصمت والنسيان.

حسن الذكر نعمة عظيمة يهبها الله لعباده الصالحين، وهو ثمرة الأخلاق الحسنة والمعاملة الطيبة والقلوب الصافية. فالإنسان قد يغيب بجسده، لكن روحه تبقى حاضرة فيما تركه من أثر جميل وكلمة طيبة وموقف نبيل. وما أعظم أن يُذكر المرء بعد موته بالخير، وأن تتحول سيرته إلى دعوات صادقة تخرج من القلوب قبل الألسنة.

لقد علّمتني وفاة شقيقتي درسًا عميقًا لن أنساه ما حييت، أن الحياة أقصر من أن تُهدر فيما لا معنى له وأن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان وراءه هو قلب أحبه الناس ودعاء صادق يرافقه إلى قبره. فالقبر لا يضيئه إلا العمل الصالح، ولا يؤنس وحشته إلا رحمة الله ثم دعوات المحبين.

رحمكِ الله يا شقيقتي رحمة واسعة،وهنيئًا لكِ ذلك الحب الذي تركتيه خلفك وهنيئًا لك تلك الألسنة التي ما فتئت تلهج بالدعاء لكِ في مجلس عزائك. أسأل الله أن يجعل كل دمعةٍ ذُرفت عليكِ رحمة، وكل دعوة قيلت في حقكِ نورًا يؤنس وحدتكِ، وأن يجعل قبركِ روضةً من رياض الجنة، وأن يلبسكِ ثياب العفو والمغفرة والرضوان.

نامي قريرةَ العين يا شقيقتي، فذكراكِ حيةٌ في قلوبِنا، وطيبكِ باقٍ ما بقيَ في الحياةِ نبض.

أسأل الله أن يجعلنا ممن يتركون خلفهم أثرًا حسنًا وذكرًا جميلًا ودعاءً لا ينقطع.