ليس أصعب من شخصٍ يرفع راية الحرية، ثم يغضب حين يراك تمارسها.

ولا أشد إرباكًا من إنسانٍ يتحدث طويلًا عن القوة، بينما تقوده في الخفاء مخاوفه التي لم يتصالح معها بعد.

فبعض الناس لا يتحدثون عن القيم لأنها جزءٌ من حياتهم، بل لأنها الصورة التي يرغبون أن يراها الآخرون.

يتحدثون عن الأخلاق كثيرًا، حتى يظن السامع أنهم حراسها، لكنهم ينسون أن الأخلاق لا تُقاس بعدد ما نقوله عنها، بل بما نفعله حين تتعارض مع مصالحنا.

فالصدق سهلٌ حين لا يكلّف شيئًا.

والعدل جميلٌ حين لا يمسّ امتيازاتنا.

والتواضع محبوبٌ ما دام لا يشاركنا أحدٌ الضوء.

لكن الحقيقة تظهر حين تصبح المبادئ ثمنًا يجب دفعه.

هناك من يرى نفسه قائدًا، بينما هو في الحقيقة لا يحتمل استقلال الآخرين عنه.

يفرح بالنجاح ما دام يدور في فلكه.

ويصفق للتطور ما دام يعود إليه بالنفع.

أما إذا اختار أحدهم طريقًا مختلفًا، أو امتلك رؤية مستقلة، أو حقق إنجازًا لا يمر عبر بوابته، بدأ الحديث عن الوفاء، وعن الالتزام، وعن الخروج عن الصف.

وكأن المشكلة ليست في الفعل ذاته، بل في أنه حدث خارج دائرة السيطرة.

ومن هنا يبدأ الخلط الكبير بين القيادة والتملك.

فالقيادة تصنع أشخاصًا قادرين على الوقوف وحدهم.

أما التملك فيصنع أشخاصًا مطلوبًا منهم البقاء تحت الظل.

ولهذا ترى بعضهم ينظر إلى شهادات الآخرين ودوراتهم وتجاربهم بعين الرضا حين يظن أنها ستخدم مشروعه، ثم ينظر إليها بعين الازدراء إذا صنعت لهم طريقًا مستقلًا.

فلا تتغير قيمة المعرفة.

ولا تتغير قيمة الإنجاز.

الذي يتغير فقط هو موقع المستفيد منه.

وهنا يصبح النجاح مقبولًا أو مرفوضًا وفقًا لمقدار خدمته لرغبات شخصٍ بعينه.

وهي معادلة لا علاقة لها بالعلم ولا بالتطوير ولا بالرسالة التي يدّعيها أصحابها.

إنها مجرد رغبة قديمة في أن يبقى الجميع داخل دائرة واحدة، وأن تبقى جميع الطرق مؤدية إلى شخص واحد.

ولذلك لا يغضب بعض الناس لأن الآخرين فشلوا في دعمهم.

بل يغضبون لأنهم اكتشفوا أن الآخرين قادرون على النجاح من دونهم.

وهذه حقيقة ثقيلة على النفوس التي اعتادت أن ترى نفسها مركز المشهد.

ومن أعجب المفارقات أن بعض من يتحدثون عن المؤسسات أكثر الناس إضرارًا بها.

يذكرونها في كل حديث.

ويعلنون الفخر بها في كل مناسبة.

لكنهم يربطون وجودها بوجودهم، وصورتها بصورتهم، ومستقبلها برغباتهم.

فإذا اختلف معهم أحد، اعتبروا أنه اختلف مع المؤسسة.

وإذا انتقد فكرة، رأوا أنه يهاجم الكيان كله.

وإذا اختار طريقًا آخر، اتهموه بالتخلي عن الرسالة.

حتى تصبح المؤسسة رهينة المزاج الشخصي أكثر من كونها مشروعًا قائمًا بذاته.

ومع الوقت لا يهدمها خصومها بقدر ما يهدمها أولئك الذين يظنون أنهم وحدهم أصحاب الحق في الحديث باسمها.

أما الأمل، ذلك المعنى الجميل الذي يعيش عليه البشر، فله عند بعض الناس معياران مختلفان.

إذا كان الشغف يقود إلى الطريق الذي يريدونه، سموه طموحًا.

وإذا قاد إلى طريق آخر، سموه هروبًا من الواقع.

إذا خدم أحلامهم، أصبح إلهامًا.

وإذا خدم أحلام غيرهم، أصبح وهمًا.

وكأن الأحلام تُقاس بأصحابها لا بقيمتها.

وكأن الأمل يحتاج إلى إذنٍ مسبق كي يصبح مشروعًا.

لكن الحياة لم تتقدم يومًا بهذه الطريقة.

فالإنسان لا يُولد ليكون نسخة من أحد.

ولا تُخلق الطموحات لتدور حول شخص واحد.

ولا تُقاس قيمة الناس بمقدار ما يخدمون رغبات غيرهم.

وفي النهاية تبقى القوة الحقيقية أبسط مما يتخيل الكثيرون.

أن ترى نجاح غيرك دون أن تشعر بالتهديد.

وأن تسمع رأيًا مختلفًا دون أن تعتبره تمردًا.

وأن تحب المؤسسة أكثر من حبك لموقعك فيها.

وأن تفرح بنجاح الآخرين حتى حين لا يحمل اسمك.

أما الذين يجعلون الفضيلة وسيلة للوصاية، والأخلاق أداة للمحاسبة، والمبادئ سلاحًا يُشهر في وجه المخالفين فقط، فإنهم لا يبنون ما يظنون أنهم يبنون.

لأن البناء الحقيقي يبدأ حين نكون مستعدين لتطبيق ما نقوله على أنفسنا أولًا.

وكل فضيلةٍ لا تتجاوز حدود الكلام…

تبقى مجرد شعارٍ جميلٍ يبحث عن حياة.