هناك أماكن لا تُقاس بمساحتها، وإنما بما تختزنه من ذكريات، وهناك أشخاص يرحلون أو يغيبون عن الأنظار، لكنهم يبقون أحياءً في قلوب من عرفوهم. ومن بين تلك الذكريات التي ما زالت تسكن أعماق الروح، تبرز صورة ذلك الدكان الصغير الذي كان يقع في آخر الحارة، والذي عرفناه جميعًا باسم “دكان العم كرامة”.

كان دكانًا متواضعًا في شكله، صغيرًا في حجمه، لكنه كان كبيرًا في مكانته داخل قلوبنا. كان أشبه بعالمٍ صغير يجمع كل ما يمكن أن تتمناه طفولة بسيطة؛ فكل رف فيه يحمل حكاية، وكل زاوية منه تخبئ فرحة صغيرة تنتظر من يكتشفها.

كنا صغارًا يومها، أنا ومجموعة من بنات الحارة، نجتمع بحماس الأطفال وبراءتهم، ثم ننطلق في رحلة يومية نحو دكان العم كرامة. لم يكن الطريق قصيرًا، كنا نقطع مسافة طويلة سيرًا على الأقدام، تحت الشمس أحيانًا، أو بين نسمات العصر أحيانًا أخرى. ومع ذلك، لم نكن نشعر بالتعب أو الملل، لأن الوجهة كانت تستحق كل خطوة.

وما إن نصل إلى الدكان حتى تتلألأ أعيننا فرحًا ونحن نتأمل ما فيه من خيرات بسيطة. كنا نشتري الحلاوة الطحينية بطعمها الذي لا يزال عالقًا في الذاكرة، والجبن الطازج، والزيتون الذي كانت رائحته تملأ المكان، وخبز الصامولي الحار الخارج لتوه من الفرن، والذي كان دفؤه يصل إلى أيدينا الصغيرة قبل أن يصل إلى قلوبنا.

ثم نعود إلى بيوتنا حاملات أكياسنا الصغيرة وكأننا نحمل كنوز الدنيا كلها. كانت أحاديثنا تملأ الطريق ضحكًا وفرحًا، وكانت خطواتنا خفيفة كأنها لا تلامس الأرض. لم تكن قيمة ما اشتريناه في ثمنه، وإنما في السعادة التي كان يمنحنا إياها، وفي اللحظات التي صنعها لنا ذلك الدكان البسيط.

كانت الحياة يومها مختلفة؛ أكثر هدوءًا وأصدق مشاعر. لم تكن هناك شاشات تسرق الأوقات، ولا وسائل تواصل تباعد بين القلوب رغم قرب المسافات.

كانت العلاقات أكثر دفئًا، والجيران أكثر ألفة، والأيام أكثر بركة. كنا نفرح بالأشياء الصغيرة، ونصنع من أبسط التفاصيل ذكريات تبقى معنا مدى العمر.

واليوم، كلما مرت تلك الصور في الخاطر، أشعر بحنين عميق إلى ذلك الزمن. ليس لأن الدكان كان مميزًا في بنائه أو محتوياته، لكنه كان جزء من مرحلة جميلة من العمر؛ مرحلة امتلأت بالبراءة والعفوية والمحبة. كان شاهدًا على طفولتنا، وعلى ضحكاتنا التي كانت تنطلق من القلب دون تكلف، وعلى أحلامنا الصغيرة التي كانت تكبر معنا يومًا بعد يوم.

لقد تغيرت الحياة كثيرًا، وتبدلت الوجوه والأماكن، لكن تلك الذكريات بقيت عصية على النسيان. وما زال دكان العم كرامة قائمًا في الذاكرة كما كان يومًا، بابه مفتوح، ورفوفه عامرة، وصوته الهادئ يستقبل زبائنه الصغار بابتسامة أبوية لا تُنسى.

رحم الله تلك الأيام الجميلة التي لا تعود، ورحم تفاصيلها البسيطة التي كانت تصنع في قلوبنا سعادة عظيمة. فقد كانت أيامًا قليلة الإمكانات، لكنها غنية بالمحبة والطمأنينة، كانت حياة بسيطة، لكنها مليئة بالجمال الذي لا يُشترى ولا يُعوَّض. وستظل ذكراها تعيش فينا ما حيينا، تذكرنا بأن أجمل ما في الماضي كان شعورنا بالأشياء أكثر من امتلاكنا لها.