في المدرسة، كان هناك سؤال يتكرر في كل اختبار حتى حفظناه عن ظهر قلب:
«أعرب ما تحته خط.»
لم يكن المعلم يضع خطًا تحت الكلمات عبثًا، ولم يكن يقصد أن يربكنا بسؤال جديد، بل كان يريد أن يلفت انتباهنا إلى كلمة تستحق أن نتوقف عندها، وأن نفهم موقعها، ونعطيها حقها من الإعراب.
كان الخط دعوةً إلى الانتباه…
لا إلى الحفظ فقط.
ومضت السنوات، وغادرنا مقاعد الدراسة، وظننا أن ذلك السؤال بقي في دفاتر اللغة العربية.
لكن الحياة كانت أكثر دهاءً من ذلك.
لقد أعادت السؤال نفسه…
بطريقة مختلفة.
غير أنها لم تضع خطًا تحت الكلمات…
بل وضعته تحت البشر.
تحت أمٍّ تنتظر اتصالًا لا يستغرق سوى دقائق، لكنه يطمئن قلبها أكثر من ألف كلمة.
وتحت أبٍ لا يريد من الدنيا شيئًا، سوى أن يشعر أن أبناءه ما زالوا يتوقفون عنده، كما كانوا يفعلون صغارًا.
وتحت صديقٍ لم يكن ينتظر هدية، بقدر ما كان ينتظر أن يتذكره أحد.
وتحت قلبٍ أحبك بصدق، ولم يكن يريد المستحيل، بل كان يريد أن يشعر أنه ما زال يحتل مكانه في تفاصيل يومك.
وفي كل مرة، كانت الحياة تهمس لك كما كان معلم اللغة يفعل قديمًا:
توقف هنا…
هذا يستحق انتباهك.
لكن الفرق بين المدرسة والحياة…
أن المعلم كان هو من يضع الخط.
أما الحياة…
فقد تركت القلم في يدك.
وأصبحت أنت من يقرر كل صباح من يستحق أن تضعه تحت خط اهتمامك.
فتضع خطًا تحت عملك.
وتحت هاتفك.
وتحت طموحاتك.
وتحت انشغالاتك.
ثم يمر يومٌ كامل…
ولا تضع خطًا تحت إنسانٍ كان ينتظر منك سؤالًا، أو رسالةً، أو لحظة اهتمام.
ولعل المشكلة ليست أن الحياة لم تمنحنا من يستحقون الحب…
بل أننا لم نحسن ترتيب أولويات قلوبنا.
فالإنسان لا يبحث عن مكانٍ يجلس فيه داخل حياتك…
بل عن مكانةٍ يعيش بها داخل قلبك.
ومن هنا يبدأ معنى الاهتمام.
فالاهتمام ليس عادةً جميلة…
ولا مجاملةً اجتماعية…
ولا رسالةً صباحية تُرسل كل يوم.
الاهتمام…
اعتراف.
اعترافٌ بأن هذا الإنسان له قيمة في حياتك.
ولهذا لا يقيس الإنسان مكانته بعدد كلمات الحب التي يسمعها…
بل بعدد المرات التي يشعر فيها أنه حاضر في أولويات من يحب.
فقد تقول لشخص: أحبك…
ثم تقضي أيامًا لا تسأل عنه.
وقد تعجز عن قول الكلمة نفسها…
لكن حضورك الدائم، وسؤالك، وحرصك، وصدقك، يجعلها تُقال في كل موقف.
فالقلوب لا تسمع الكلمات…
بقدر ما تقرأ التفاصيل.
ولعل أجمل ما تعلمناه في النحو أن الإعراب هو أن تعطي الكلمة حقها داخل الجملة.
أما الحياة…
فعلمتنا أن الاهتمام هو أن تعطي الإنسان حقه داخل قلبك.
فالاهتمام…
يرفع إنسانًا كان يظن أنه لا يعني شيئًا.
والإهمال…
ينصب قلبًا أتعبه الانتظار.
والجفاء…
يجر علاقةً إلى آخر الطريق.
أما الصمت الطويل…
فيجزم ما بقي من الأمل.
وفي النحو، نؤمن بوجود فاعلٍ مستتر، لا نراه، لكن الفعل يدل عليه.
وفي العلاقات أيضًا…
هناك اهتمامٌ مستتر.
لا يقال…
لكن تُفصح عنه الأفعال.
تُفصح عنه رسالةٌ جاءت في وقتها.
ودعوةٌ في ظهر الغيب.
وسؤالٌ سبق الحاجة.
وحضورٌ هادئ يقول:
“أنا هنا.”
فالإنسان لا يحتاج في كل مرة إلى من يخبره أنه محبوب…
بقدر ما يحتاج إلى من يشعره أنه مهم.
وفي المدرسة، إذا تجاهلت الكلمة التي تحتها خط…
خسرت درجة.
أما في الحياة…
فقد تخسر إنسانًا.
وهناك خسائر…
لا تعوضها كل الدرجات.
وربما لم يكن معلم اللغة يريد منا أن نحسن إعراب الكلمات فحسب…
بل كان يعلمنا، دون أن نشعر، أن كل ما يُوضع تحته خط يستحق أن نتوقف عنده، وأن نفهمه، وأن نعطيه حقه.
وفي الحياة أيضًا…
هناك قلوب وضعتها الأقدار تحت خط اهتمامنا.
لا لتختبر مشاعرنا…
بل لتختبر وفاءنا.
ولهذا…
إذا سألتك الحياة يومًا:
«أعرب ما تحته خط.»
فلا تنظر إلى الكلمات…
ولا تبحث عن علامة إعرابها…
بل أعرب… من وضعته يومًا تحت قلبك.







التعليقات
اترك تعليقاً