نُقفل أبوابنا بالليل حمايةً لأبنائنا، ونتحقق من كل ما يدخل إلى أجسادهم، لكننا نغفل أن أخطر ما يتسلل إلى عقولهم أحياناً هو محتوى يقدّمه بعض المؤثرين ممن تظهر في محتواهم أنماط شخصية غير صحية.

في كل مرة يبدأ فيها مراهق التمرير على هاتفه، لا يختار هو ما يرى. تختار له خوارزمية مُصمَّمة لإبقائه مشدوداً، لا لإنمائه. وما تختاره الخوارزمية ليس المحتوى الأكثر قيمة، بل الأكثر إثارة. والأكثر إثارة، كما تكشف العديد من الأبحاث النفسية، غالباً ما يكون صادراً عن أنماط شخصية غير صحية موصوفة بالاسم والرقم في الدليل التشخيصي الدولي DSM-5-TR.

ما نراه على شاشاتنا لا يُعدّ “محتوى سيئاً” فحسب، بل بعضه تجليات موثقة لاضطرابات شخصية حقيقية تُغلَّف بالترفيه وتُوزَّع مجاناً على ملايين المتابعين يومياً. النرجسية التي تُقدّم التباهي بكافة اشكاله معياراً للقيمة الإنسانية، وتُنتج إحباطاً لدى الشباب. والحدية تتجلى في اصطناع الصراعات وإشعال الخلافات ثم المصالحة العلنية في دورة لا تنتهي، تُعلّم المراهق أن العدوانية طريق مشروع للاهتمام. والهيستيرية تحوّل كل لحظة حياتية بما فيها الحب والانفصال إلى مسرحية مُعدّة للمشاهدة، فتُشوّه توقعات جيل كامل عن العلاقات الحقيقية. أما الشخصية المعادية للمجتمع فتمارس التنمر على أشكال الناس وأسلوب كلامهم تحت غطاء الفكاهة، فتُطبّع ثقافة الاستضعاف بوجه يضحك. وقد رصدت الأبحاث النفسية أنماطاً سلوكية ضارة متعددة من هذا القبيل كلٌّ منها موصوف سريرياً، وكلٌّ منها يُقدَّم للمتابع كأسلوب حياة.

معادلة خطيرة: المنصة + المضطرب = ضرر مضاعف

تُشير الأبحاث إلى أن الاستخدام المفرط للسوشال ميديا حتى مع محتوى محايد يرتبط بتراجع الصحة النفسية. أما حين يكون بعض من يُتابَعون مضطربين نفسياً في الأصل، فالأثر يتضاعف ويتعمق. دراسات في بولندا والمملكة المتحدة أثبتت أن المنصات لا تستقطب عشوائياً، بل تستقطب بشكل منهجي الأشخاص ذوي الحاجة المرضية للإعجاب والانتباه. وهؤلاء حين يقفون أمام الكاميرا قد يُشكّلون عقول ملايين الشباب يومياً. وأظهرت بعض الدراسات ارتباطاً بين السمات الهيستيرية والرغبة في التأثير الرقمي بشكل لافت مقارنةً بمهن أخرى.

رصدت دراسة Mas Manchón وزملائه (2022) المنشورة في PLOS ONE صعود السمات النرجسية بين المراهقين مرتبطاً مباشرة ببيئة السوشال ميديا عبر أربع دول لا كحالات فردية معزولة، بل كمعيار طبيعي مكتسب جزئياً من ثقافة بعض المؤثرين. لأن الخوارزمية تُصعّد المضطرب، والمضطرب يُصدّر اضطرابه، والجمهور يمتصّه ثم يُعيد إنتاجه في سلوكه وهويته.

الكبار ليسوا بمنأى

يخطئ من يظن هذه الأزمة خاصة بالمراهقين. دراسة Grove وزملائه (2019) المنشورة في Behavioural and Cognitive Psychotherapy على 683 شخصاً يعيشون مع ذوي نرجسية مرضية أثبتت أن 69% أصيبوا باكتئاب سريري و82% باضطراب قلق. البالغ الذي يتابع مؤثراً يُصدر أنماطاً مضطربة يومياً يتعرض لنفس “العدوى العاطفية” الموثقة علمياً مع فارق أن الضرر يمتد إلى قراراته في تربية أبنائه وتقييم نفسه ومستوى رضاه عن حياته. الوالد المتأثر يُنتج بيئة أسرية متأثرة.

أربعة محاور للحماية — قبل فوات الأوان

كل يوم تأجيل يعني جيلاً إضافياً تشرّب أنماطاً مرضية قدّمتها له الخوارزمية كقيم، ولهذا يجب اتخاذ بعض الخطوات بشكل فوري.
أولها: مراقبة المؤثر ورعايته نفسياً. على الهيئة العامة لتنظيم الإعلام أن تسأل: هل هذا المؤثر بخير نفسياً؟ كثير من الأنماط الضارة لا تنبع من نية إيذاء، بل من ألم حقيقي غير معالج. المقترح هو وحدة مستشارين نفسيين معتمدين داخل الهيئة تعمل بمبدأ صريح: حماية المؤثر أولاً لأنه إنسان قبل أن يكون منتجاً. حين تُكتشف وتشخص المؤشرات المقلقة بشكل دوري، يُتواصَل مع المؤثر بسرية تامة واحترافية كاملة، ويُعرض عليه دعم نفسي مجاني ومتخصص. فإن استمر المحتوى الضار فُعِّلت آلية تدرّجية صارمة تبدأ بالإنذار وتنتهي بالإيقاف المؤقت والإيقاف هنا مساحة للعلاج لا قفص للعقاب.

وثانيها: تصنيف المحتوى من قِبل الهيئة. تتولى الهيئة عبر وحدتها النفسية وفرقها المختصة تصنيف محتوى المؤثرين وفق أربع درجات عمرية، تُطبَّق تقنياً مباشرةً على الخوارزميات بحيث لا يصل المحتوى إلى من لم يبلغ سنّه أصلاً لا بالبحث ولا بالتوصية. وكل محتوى يتخطى حدوده العمرية يواجه منظومة عقوبات متصاعدة تبدأ بالغرامة ولا تتوقف إلا عند الإحالة القانونية.

وثالثها: التوعية المدرسية الدائمة. لا يكفي تنظيم المحتوى من الأعلى إذا ظل المتلقي أعزلاً من أدوات التمييز والنقد. مادة “الوعي الإعلامي الرقمي” يجب أن تكون إلزامية في جميع المراحل التعليمية. في الروضة يتعلم الطفل الفرق بين الحقيقي والمصوَّر. في المتوسطة يكتشف كيف تتجلى اضطرابات الشخصية في المحتوى الرقمي. في الجامعة يدرس حقوقه ومسؤولياته كمنتج للمحتوى ومتلقٍّ له.

ورابعها: شهادة المؤثر الإيجابي. بدلاً من الاكتفاء بملاحقة السلبي، يُكافأ الإيجابي. شهادة وطنية رسمية تُصدرها الهيئة تُثبت أن المؤثر لا يُصدر أنماطاً ضارة وأن محتواه آمن للفئة المستهدفة. يُمنح المؤثر المعتمد رمزاً مميزاً على منصاته بالتعاون مع منصات التواصل الاجتماعي، وأولوية في التوصيات الخوارزمية. والإعلانات الحكومية تُوجَّه بالدرجة الأولى للحسابات المعتمدة وهذا حافز اقتصادي حقيقي يدفع المؤثرين نحو الصحة لا الإثارة.

خاتمة

ضوابط الهيئة العامة لتنظيم الإعلام عام 1446هـ خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن الفارق الحقيقي لن يصنعه تنظيم يتحرك بعد وقوع الضرر، بل تنظيم يسبقه، يبني على الرعاية والأدلة، ويحمي قبل أن يعاقب. الجيل السوي نفسياً لا يخرج من قرار حظر، بل من بيئة تمنحه أدوات التمييز ونماذج حقيقية تنافس ما تختاره له الخوارزمية. وهذه مسؤولية لا تحملها جهة واحدة، بل ان المؤسسات والمختصون والأسرة شركاء فيها جميعاً. وما نتركه اليوم بلا إجراء سيتجلى في الأجيال القادمة في أنماط تفكيرها واضطرابات شخصيتها وهذا ثمن لا نملك ترفَ دفعه