لم يكن البياض أول ما عرفته…

عرفت قبله ارتباكَ البدايات.

رأيت أوراقًا تُطوى قبل أن تبلغ نهايتها،

وأخرى تُمزق…

كأنها لم تُخلق إلا لتختبر هشاشة ما وُلد فيها.

ورأيت أحرفًا مبعثرة،

ظلَّ كلُّ واحدٍ منها

يبحث عن الكلمة التي خرج منها،

حتى نسي طريق العودة إليها.

ومرّت أمامي بداياتٌ كثيرة…

لكن قليلًا منها

عرف طريقه

إلى النهاية.

بعضها

توقف عند أول تعثر.

وبعضها

ظلَّ ينتظر تتمته،

حتى ابتلعه النسيان.

ولم يكن أكثر ما يؤلمني

ما انتهى…

بل ما بقي

معلَّقًا

بين البداية والنهاية.

لا هو اكتمل،

ولا هو عاد

إلى البياض.

وكان البياض…

يعود في كل مرة،

هادئًا…

كأنه لا يحزن على ما فُقد،

ولا يفرح بما امتلأ.

كان يمنح الجميع

فرصةً أخرى،

من غير أن يسألهم

عمّا فعلوا

بالفرصة الأولى.

حتى جاء يوم…

لم يشبه ما سبقه.

لم تكن أمامي

بدايةٌ متعثرة،

ولا نهايةٌ ممزقة.

كان كل شيء

يمضي بهدوءٍ غريب.

اسمٌ…

يفضي إلى اسم.

ومكانٌ…

يقود إلى مكان.

ثم…

ساد الصمت.

وظننت

أن الرحلة اكتملت.

لكن بصري

توقف عند فراغٍ صغير…

ظلَّ محفوظًا،

كأنه يعرف

أن موعده

لم يحن بعد.

ولم يطل الانتظار.

وانتهى انتظارُ ذلك الفراغ.

عندها…

غادر ما كان هنا.

وبقي الأثر…

يدلُّ على ما مضى.

وحين انتهيت…

عدتُ

إلى الموضع

الذي بدأت منه.

ولم يبقَ أمامي

إلا البياض…

الذي بدأ منه

كلُّ شيء.