منذ عدة أشهر كلما مررت باليوتيوب ظهرت لي إعلانات تشعرني بأن من صممها يظن المشاهدين مجموعة من الكائنات ذات النهيق، تُساق بقولهم: “شِي”؛ تعلقت بوهم الحصول على الجزرة، أو تصرّ على التمسك بما تراه حقًا، وإن كان عين الباطل.

بدأ الأمر بدعوة النساء بعد الخمسين إلى ممارسة التاي تشي؛ لأنها -بزعمهم- الحل الأسرع للحصول على الصحة والجمال، في أقل من شهر؛ أما ممارسة الرياضة، فلن تزيد المرأة في هذه العمر إلا إرهاقًا للجسد والنفس!

ثم أخذ الأمر في التفاقم؛ إذ تحول الخطاب من النساء إلى الرجال، ثم من تمرين يستهدف الصحة العامة، إلى تمارين تستهدف صحة الجهاز اللمفاوي. فأصابتني الدهشة وقلت في نفسي ربما غدًا لو عطس أحد قد يقال له تمرن بالتاي تشي !!

والسؤال الذي يطرح نفسه هل التاي تشي مجرد رياضة؟!

هل هي فعلًا بهذه الأهمية التي يروج لها؟!

ولماذا بينما ينصح المتخصصون الناس بالجمع والتنويع بين تمارين المقاومة، والتمارين الهوائية، وتمارين الإطالة، يحصر مروجو (التاي تشي) جعلها الحل الأفضل والأمثل للصحة، والرشاقة، والشباب الدائم، بل وأكثر؟!

ولأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولأن التصور السليم يقوم على أمرين؛ الأول: العلم بأصل الشيء الاعتقادي الذي يقوم عليه، والثاني: التحقق من موافقته لأصول الإسلام؛ كان من اللازم عرض (التاي تشي) على هذا القانون قبل التسليم لتلك الدعاوى وقبولها.

وعند التحقيق نجد أن (التاي تشي) ليست مجرد اسم يدل على مجموعة من التمارين، بل ممارسة نبتت من الفلسفة الشرقية، بهدف تحقيق الانسجام بين الإنسان والكون؛ حيث يتكامل تركيز الذهن مع حركة الجسد، بقصد اكتساب الطاقة من الكون، مما يعين -بزعمهم- على التعافي وتحسين الصحة.

وهنا يأتي السؤال الآخر: هل يقبل الشرع الاستشفاء بممارسة قامت على تصورات عقدية مخالفة للتوحيد؟!

والإجابة على هذا السؤال لا تخفى على عاقل؛ يعلم أن التوحيد أساس الإسلام، وأن حفظ الدين أعظم المصالح وأهمها، وأن الشريعة حين أمرت بحفظ النفس والصحة والاستشفاء لم تجعل ذلك بابًا مفتوحًا لكل وسيلة، مهما كان أصلها أو ما تحمله من اعتقادات.

ليس كل ما قيل إنه نافع يكون مباحًا، ولا كل ما حمل اسم العلاج يصبح مشروعًا؛ إذ لا يُطلب حفظ البدن بما يفسد الدين، ولا تُنال الصحة بما يفتح بابًا إلى معتقدات تناقض التوحيد.

إن كثيرًا من حركات التاي تشي يشبه بعض تمارين (البيلاتس) أو تمارين (الإطالة والتوازن)، فلماذا لا نمارس هذه الحركات من غير اعتقاد؟
والجواب: إذا كانت الفائدة في مجرد الحركة، فلماذا نتمسك بالاسم، والهيئة، والممارسة المرتبطة بأصلها الفلسفي، مع وجود بدائل رياضية مباحة تؤدي الغرض نفسه؟!

إضاءة…
الجيد أن نمارس الرياضة، لكن من الخطأ أن تجعل الصحة بابًا تتسلل منه المعتقدات المخالفة للتوحيد.