د . صلاح بن عبدالله العرابي
بَرْح بدون نيضٍ أحياناً يلامسه وغفلته منسوجة من مرثية الرحيل فهو يغرُم أن يغفى بدون خفر في جثته غير الهامدة ويتعاطى الصمت لافرق لديه بين كل الفصول .. لافرق لديه بين السراب والمطر بين وجه الضجر ووجه قد يحمله يرتسم عليه ختم أشباه البشر .

فقد أمعن النظر في تلك الشظايا المنثورة قبل أن يرتجف وينفث دأبه لها عبر بوابة زمنه الشافق عليه وانحشر بين جذوع الشجر .. نال مايتمنى ذلك المختال وأصبح داخل سفينته الآهلة التي خطت تمخر عباب العمر .. كانت تلك التي لم يعبأ بها خلف سياجه فقد حاول أن يضع خطوط تقاطيب وجهه على جسده مخافة أن تتسلق عليها ذكرى الماضي الطارف فأعراض الخوف تبدو على تقاسيم جبهته التي حاولت أن تزدهر على تجاعيده وتجذبه نحو التيار الأعمق المضاد .

أنتزع وهو على هذا الغرار من الهذيان حيث لايزال في درجته العتيقه الصادئة ومن خلال ردائه الممزق بعض لفافاتٍ من ورق أصفر باهت وسبح مع أصابع شبه ميته حاولت مراراً أن تشده إلى القاع وهو مُرفَّه بالطوفان في قمة الرمح وعلى سبخة الجمع .

يأمل أن يُخلَّد في هذه الفانية دون أن يتزحزح منها ذات يومٍ تاركاً كل شيء حتى عرق جسده وصبغة شاربه وكحل عينيه القديم الأغبر .

سحب عاتية تغشي عنه ذلك الإبصار السافر في مسار رحلته الثكلى التي تئن تحت مطارق الحرمان بالرغم من إنتظار تلك الجميلة على المياه اللازوردية عند انحناءات مفترق دروبٍ أو مشارف موانىء لايدرك عن تدوينها شيئا .

فقط يرى بعيون جاحظة فيها حصاة أناس أمامه راحلين وآخرين قادمين .. أنامٌ يسحبون بأيديهم المُنهكة أمتعتهم ويهمُّون فرحين بالرحيل فيتركون خلفهم جِرابٌ مليئة بما جنت وخبأت أيديهم المنتفخة .. يهتفون وليتهم يعرفون .

وحينما يفقهون تلك الحقيقة يمضون مرة أخرى يتأوهون بعيداً عن بعضهم البعض .. تنطلق تلك المختالة حاملة معها ذكرياتها وفي جوفها الشغوفين بها إلى شواطىء أخرى قادمة فالذي ولى ودبر لن يُعاد أبداً وليس أمامك كإنسان إلا أن تتقدم بالخطى وهكذا يترجل عنها ورى وتوديع أحبائهم عليهم شاق فأحداقهم مليئة بما يعتصرها .. يرى كل ذلك أمامه وهو يُسرِّح عزلته بكلمات غير واعية .. يعيد جمع أُحجيته عبر أسئلته القلقه وهو محاط بعوزه بالرغم من بحبوحته المطرزة بشقاء نفسه .. ينام على عجل بأعين مفتوحة وبأسلوبه الذي يحفر خنادق جبهته ليوقظه من بقربه عسى أن يكون ذلك ميناؤه .. تساقط رماد أغنيته بلا ضوء أو صوت أو لون .. سقطت أيها السادة جثته الهامدة بإستحياء بين سراب الماء وحقيقة العطش وسقطت أخيراً بكل العِذار الذي يتوسد صفحة البحر بكل الخَفَاره التي تنمو على ريحان ضفة النهر بكل الذكريات التي تتحجر أشلاؤها وتتعب عند السفوح وهي تُناظر بقعة الظلام الدامس تلك البقعة التي تعانق فيها الحياة .. الطين .. والفضاء .. الحجر !!!