الإسلام دين الرحمة والإنسانية ، وليس أدل على ذلك من أن الله تعالى قد نسبها إلى نفسه في القرآن العظيم في نحو مئتي آية . قال تعالى: ( ورحمتي وسعت كل شيء ، وقال سبحانه على لسان ملائكته الكرام ( ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ) ، كما علم نبيه الكريم أن يقول للمشركين إن كذبوه ( ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ). ولقد قرر الله تعالى في كتابه الكريم أن الرحمة لا تزول عنه أبدا، فقال سبحانه: ( كتب ربكم على نفسه الرحمة .
ديننا الإسلامي دين القيم والمبادئ العالية والأخلاق الحسنة ، فديننا دين السلام ودين المحبة ودين التعاون ودين المساواة ، ومن أهم القيم التي حث عليها قيمة الرحمة .
فمن أهم ما تتميز به شريعة الإسلام قيمة الرحمة التي فاقت في الاهتمام بها أية قيمة أخرى ، وانفردت بالصدارة في تكرار ورودها في قرآننا الكريم ، فقد تكررت الرحمة بمشتقاتها ثلاثمائة وخمس عشرة مرة ، وليس هذا مصادفة بحال من الأحوال ، فكل كلمة وكل حرف فيه نزل بقدر ولهدف .
والرحمة تعني الرفق والرقة والعطف والرأفة ، فهي كلمة جامعة لمكارم الأخلاق ، وقد قال العلامة ابن القيم : الرحمة سبب واصل بين الله عز وجل وبين عباده ، بها ارسل إليهم رسله ، وقد عنى رسولنا بذكر هذا الخلق الكريم والتأكيد عليه في أحاديث عدة فقال : ” الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ” .وقد قال الله تعالى عن رسوله الكريم : ” وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ” .
وقد ظهرت آثار رحمته – سبحانه وتعالى – في سائر الخلائق ، فما من مسلم أو كافر إلا وعليه من آثار رحمته في هذه الدنيا. ففيها يتعايشون ويؤاخون، ويوادون. وفيها يتقلبون، لكنها للمؤمنين خاصة في الآخرة، ولاحظ للكافرين فيها.
إن من أجل مظاهر رحمة الله تعالى أن بعث لعباده رسله تترى، ثم بعث خاتم أنبيائه وسيد رسله، وصفوته من خلقه محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه الذي امتن به على الأمة، وكشف به الظلمة، وأزاح به الغمة، وجعله رحمة للعالمين أجمعين، كما قال تعالى ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ).
ولقد رغب الله تعالى عباده إلى التحلي بالرحمة، وحثهم عليها في مواطن كثيرة : لينالوا أجرها، وعظيم ثوابها، فما من معاملة من المعاملات، أو رابطة من الروابط الاجتماعية أو الإنسانية، إلا وأساسها وقوام أمرها الرحمة والتراحم، فمن علاقة الإنسان بنفسه التي بين جنبيه وعلاقته بذويه وأهله، إلى علاقته بمجتمعه المحيط به، إلى معاملته لجميع خلق الله من إنسان أو حيوان كل ذلك مبني على هذا الخلق الرفيع والسجية العظيمة.
إن التراحم صفة تزرع في المجتمع المسلم الوحدة والألفة والتماسك ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، إنه خلق يجعل المسلم مع أخيه كاليد مع العين اذا تألمت اليد بكت العين، واذا بكت العين مسحتها اليد.
ومن مظاهر الرحمة في الإسلام أن يرحم الإنسان والديه اللذين عظم الله شأنهما، وقرن شكرهما بشكره وطاعتهما بطاعته، فكانت الرحمة عند الكبر محتمة حيث قال تعالى: ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا).
ومن مظاهر الرحمة في التشريع الإسلامي أن أباح الصلاة للمريض على أي وجه ، كما أن من صور الرحمة أن حرم ديننا الاعتداء على أموال الناس ، وغير ذلك الكثير والكثير من صور الرحمة في التشريع الإسلامي والتي تدل دلالة واضحة أن الإسلام في مظهره وجوهره دين الرحمة واليسر ومراعاة مصالحالعباد .
والرحمة لا تعني التساهل وعدم معاقبة المجرمين ، فهذه رحمة كاذبة ، فلا يمكن تصور أن نسامح المجرم ونعفو عن المهمل والمقصر ثم نسمي ذلك رحمة ، فالرحمة في غير موضعها جريمة ، فكما أن الرحمة قيمة عالية جميلة إلا أنها لا يجب أن تصطدم مع قيمة العدل ، فمحاسبة المجرمين والمقصرين لا تتعارض مع الرحمة .
ومن رحمة الله عز وجل أن يرى العصاة الفجرة الجبارين المتكبرين يعصونه ليلا ونهارا، يسفكون الدماء، ويأكلون الأموال ظلما وعدوانا، ويغتصبون الحقوق، ومع ذلك كله فإن رحمته سبحانه وتعالى لا تزال تغشاهم مع أنه لا يغفل عنهم، بل مطلع على أعمالهم. والرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن الرحمة لا تكون بين الناس فحسب بل بين الكائنات الأخرى من غير بني البشر فيخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل اشتد عليه العطش وهو يمشي في طريق و يمر، فوجد بترا فنزل فيها وشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ منى، فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بقيه حتى صعد من البئر فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له.
إن من رحمة الإسلام ما نراه من رحمة الأباء بالأبناء بالرفق بهم والتودد إليهم وحسن تربيتهم ورعايتهم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا ، وقال صلى الله عليه وسلم إني لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه.
ومن صور الرحمة المشرقة في دين الإسلام أن شرع الزكاة وحبب في إخراج الصدقات وجعل من زكاة الفطر وعيد النحر فرصة عظيمة للرحمة بالضعفاء والفقراء فمن شعائر الإسلام العظيمة: إطعام الطعام، والإحسان إلى الفقراء والأرامل والأيتام.







التعليقات
اترك تعليقاً